هل جرّبتَ يومًا أن تجلس بجوار سرير من تحب، تمسك يده، وتدعو له بالشفاء… بينما يهمس في داخلك صوت متعب لا تجرؤ أن تسمعه: متى ينتهي كل هذا؟
ثم تخاف من هذا الصوت أكثر مما تخاف من الفقد نفسه. تخفيه حتى عن نفسك، كأن مجرد وجوده يعني أنك لا تحب بما يكفي.
أهلًا بكم في «السينما تحكي»، حيث نقترب من الحكايات لنفهم أنفسنا. أنا ياسمين العشري، وحكايتنا اليوم من فيلم يبدو في ظاهره حكاية عن وحش، لكنه في الحقيقة واحد من أصدق ما قدّمته السينما عن طفل يودّع أمه ببطء: فيلم A Monster Calls.
الحكاية
صدر هذا الفيلم عام ألفين وستة عشر، من إخراج الإسباني خوان أنطونيو بايونا، عن رواية للكاتب باتريك نيس. وللرواية نفسها حكاية: فكرتها جاءت من الكاتبة سيوبان داود، وهي مريضة بالسرطان، ثم رحلت قبل أن تكتبها. فأكملها غيرها. وكأن الحكاية وُلدت هي أيضًا من رحم الفقد.
بطل الفيلم كونور، صبي في الثانية عشرة، يعيش في ريف إنجلترا مع أمه.
أمه مريضة. تخضع للعلاج الكيميائي جلسة بعد جلسة، وتطمئنه في كل مرة بأنها ستتحسن.
أبوه بعيد، يعيش في أمريكا مع زوجة جديدة وطفلة. وجدّته امرأة صارمة لا يرتاح إليها، ويقلقه أن يُطلب منه العيش معها إن رحلت أمه. وفي المدرسة، يتنمّر عليه زميل اسمه هاري.
أما في الليل، فيطارده كابوس واحد يتكرر: الكنيسة القديمة قرب بيته تنهار في حفرة هائلة، وهو يتشبث بيد أمه بكل قوته… كي لا تسقط.
كان كونور يرسم ليُخرج ما في داخله، وهي موهبة تعلّمها من أمه.
وفي إحدى الليالي، في الساعة الثانية عشرة وسبع دقائق بالضبط، تتحول شجرة الطقسوس العتيقة المجاورة للكنيسة إلى وحش ضخم، ويأتي إلى نافذته.
لا يأتي ليخيفه. يأتي ليعقد معه اتفاقًا غريبًا: سيحكي له ثلاث حكايات في زياراته القادمة، وبعدها على كونور أن يحكي الحكاية الرابعة. حقيقة كابوسه.
ولا تشبه حكايات الوحش ما اعتدناه من حكايات. في الأولى أمير يبدو بطلًا وقد ارتكب جريمة، وملكة يظنها الناس شريرة وهي بريئة منها. وفي الثانية رجل دين يتخلى عن مبادئه حين تمرض ابنتاه. أما الثالثة فعن صبيّ لا يراه أحد… وهي حكاية كونور نفسه، بعد أن صار الجميع في مدرسته يتجنبون النظر إليه.
وتمضي الحياة من حول كونور. تشتد حالة أمه، فينتقل إلى بيت جدته. يزوره أبوه، ويدعوه لقضاء عيد الميلاد معه، فيخيب أمله؛ كان يتمنى أن يطلب منه أن يعيش معه. ويجرّب الأطباء علاجًا أخيرًا مستخرجًا من شجرة الطقسوس نفسها، فيرجو كونور الوحش أن يشفي أمه. لكن الوحش يقول إن هذا ليس ما جاء من أجله.
وحين يتضح أن أمه سترحل رغم كل شيء، يواجه كونور الحكاية التي هرب منها طويلًا.
ثم يذهب إلى المستشفى، ويحتضن أمه.
وترحل… في الساعة الثانية عشرة وسبع دقائق.
قراءة الفقد: ماذا يعيش كونور حقًا؟
قد نظن أن الفقد يبدأ لحظة الرحيل. لكن كونور يعيش فقده قبل أن يحدث بوقت طويل.
فهناك حزن يسبق الوداع. نعيشه ونحن نرى من نحب يتغير أمام أعيننا، ونودّعه قليلًا كل يوم، دون أن يسمح لنا أحد، ولا نسمح لأنفسنا، بأن نسمّيه حزنًا. لأنه لم يرحل بعد.
ويعيش كونور وحدة قاسية. فالكبار من حوله يحاولون حمايته من الحقيقة… فيتركونه وحده معها. الأم تطمئنه، والأب مشغول بحياته البعيدة، والجدة لا تعرف كيف تقترب منه. فيحمل طفل في الثانية عشرة ما يعجز الكبار أنفسهم عن حمله.
يعيش كونور غضبًا لا يجد له اسمًا ولا مكانًا. غضبًا من المرض، ومن أبيه، ومن جدته، ومن زملائه، وربما من أمه نفسها لأنها ستتركه. وحين لا يُسمح للغضب أن يُقال، يخرج تحطيمًا.
ويعيش إحساسًا موجعًا بأنه صار غير مرئي. الجميع يعاملونه برفق زائد، لا لأنهم يرونه، بل لأنهم لا يعرفون ماذا يقولون له. حتى المتنمّر نفسه يقول له إنه لم يعد يراه.
أما أثقل ما يحمله، فهو أمنية ممنوعة: أن ينتهي هذا الألم.
أمنية خجل منها حتى صارت كابوسًا. وأخفاها حتى عن نفسه، لأنه ظن أنها تعني أنه يريد أن يفقد أمه.
المشاهد التي تقول ما لا يُقال
في الحكاية الثانية، يبدأ الوحش في هدم بيت رجل الدين، ويدعو كونور أن يشاركه. ينطلق الصبي في التحطيم بكل ما فيه من غضب. ثم يفيق… فيجد أنه حطّم غرفة الجلوس في بيت جدته.
تعود الجدة. تصدمها الفوضى. لكنها لا تعاقبه.
قد يبدو غياب العقاب رحمة، لكنه بالنسبة لكونور كان شيئًا آخر. فالعقاب كان سيعني أن أحدًا يراه، وأن ما فعله له وزن. ويتكرر الأمر حين يعتدي على زميله في المدرسة، فتمتنع المديرة عن عقابه مراعاة لظروفه. أحيانًا يحتاج الحزين إلى من يراه كاملًا، بغضبه وأخطائه، أكثر مما يحتاج إلى من يشفق عليه.
ثم يأتي المشهد الذي يقوم عليه الفيلم كله.
يعيد الوحش كونور إلى كابوسه: الأرض تنهار، وأمه معلّقة فوق الهاوية، ويدها في يده. ويطالبه بأن يقول الحقيقة. وكونور يرفض بعناد، لأنه يخاف أن تقتله الحقيقة إن قالها.
ثم يعترف أخيرًا.
في الحلم، كان هو من أفلت يدها. وكان يستطيع أن يتمسك بها أطول. كان يعرف منذ زمن أنها لن تنجو، وتمنى في سرّه أن ينتهي كل شيء… مع أنه لم يكن يريد لها أن ترحل.
وهنا لا يدينه الوحش. بل يثني على شجاعته في قول الحقيقة، ويخبره أن ما يشعر به إنساني. لم يكن كونور يتمنى موت أمه، بل كان يتمنى أن ينتهي ألمٌ لم يعد يحتمله. ألمها، وألمه معًا.
وفي المستشفى، بعد هذا الاعتراف، يحتضن كونور أمه. الطفل الذي أفلت يدها في الكابوس، يستطيع الآن أن يتمسك بها في الحقيقة، حتى اللحظة الأخيرة.
ما وراء الحكاية
في هذا المشهد يكمن معنى الفيلم كله: الحقيقة ليست خيانة.
يمكنك أن تحب إنسانًا بكل قلبك، وأن تتمنى في الوقت نفسه أن ينتهي عذابه وعذابك. لا يلغي أحد الشعورين الآخر، ولا يجعلك أحدهما إنسانًا سيئًا.
ولهذا لم تكن حكايات الوحش عبثًا. كانت كلها تقول لكونور شيئًا واحدًا: البشر ليسوا أخيارًا خالصين ولا أشرارًا خالصين، وقلب الإنسان يتسع لمشاعر متناقضة في آن واحد. فإذا عرف ذلك عن أبطال الحكايات، استطاع أن يقبله عن نفسه.
وما كان يثقل كونور لم يكن الأمنية في ذاتها، بل كتمانها. فالذنب حين يبقى سرًّا يكبر في الظلام حتى يصير كابوسًا. وحين يُقال بصوت عالٍ، أمام من يسمعه دون أن يحكم عليه، يعود إلى حجمه الحقيقي.
وفي النهاية، يدخل كونور غرفة أمه القديمة، التي جهّزتها له جدته. ويجد كراسة رسوم أمه وهي طفلة. فيها رسوم لشخصيات من الحكايات التي سمعها… ورسم لأمه، طفلةً صغيرة، تجلس على كتف الوحش نفسه.
كأن الفيلم يهمس لنا بأن هذا الحزن ليس جديدًا على العالم، وأن من سبقونا عبروه، وأن ما تركته الأم في ابنها، من رسم وحكاية وطريقة في النظر إلى الحياة، سيبقى معه.
ولا يقول الفيلم إن الحزن انتهى. فكونور لم يُشفَ من فقد أمه. لكنه لم يعد وحده مع سره، ولم يعد مضطرًا إلى أن يكره نفسه كي يثبت أنه يحبها.
خاتمة
ربما يحمل كثيرون منا حكاية رابعة لم يحكوها لأحد: أمنية خجلنا منها، أو تعبًا لم نعترف به، أو لحظة تمنينا فيها أن يتوقف كل شيء. نحملها في صمت، فتتحول إلى ثقل لا نفهم مصدره.
ونحن في «بَراح» نؤمن بأن الحزن يحتاج إلى مساحة آمنة يُقال فيها كما هو، بلا أحكام وبلا خوف. مساحة تشبه ما قدّمه الوحش لكونور: أن يُسمَع، لا أن يُحاسَب.
فإن كنت اليوم تحمل حكايتك الرابعة، فاعلم أنك لست وحدك، وأن ما تشعر به لا يُنقص من حبك شيئًا، وأن قول الحقيقة قد يكون أول الطريق.
كان هذا «بَراح في حَضرة السينما»… حيث نقترب من الحكايات لنفهم أنفسنا، ونقرأ ما تخفيه المشاهد من حكايات الفقد، وما تتركه فينا من أثر.
بَراح… مساحة آمنة للبوح.