القراءة
ليست كل الأحزان وليدة لحظة. ثمة أحزان تشبه الحضارات؛ قديمة، متجذّرة، منقوشة في الروح كما تُنقش الرموز في الحجر. لا نعرف لها بداية واضحة، بل تراكمت عبر سنوات من التجارب والغيابات والانكسارات الصغيرة، حتى صارت جزءًا من الطريقة التي ننظر بها إلى العالم وإلى أنفسنا.
وحين يصف الشاعر نفسه بأنه أقدم عاصمة للحزن، فإنه يستدعي صورة مدينة عريقة تحمل طبقات متراكمة من التاريخ، وتحتفظ جدرانها بآثار ما مرّ بها. أما الجرح المنقوش على الطريقة الفرعونية، فيمنح الوجع صفة البقاء؛ كأن الزمن لا يمحوه، بل يضيف إليه طبقة جديدة من الذاكرة. وجعٌ لا يصرخ، ولا يطلب الشفقة، بل يمتدّ كسرب حمام، يسافر في داخل الإنسان من ذاكرةٍ إلى أخرى، ومن فقدٍ إلى فقد.
قد يفقد الإنسان شخصًا عزيزًا، ثم يكتشف أن ألمه لا يتعلق بهذا الرحيل وحده؛ فالفقد الجديد أعاد إليه خسارات قديمة لم يجد الوقت أو المساحة لفهمها. وقد تنتهي علاقة، فتوقظ في داخله شعورًا سابقًا بالهجر. وقد يغادر مكانًا، فيكتشف أنه لا يشتاق إلى المكان وحده، بل إلى زمن كامل عاشه فيه، وإلى نسخ من نفسه لم تعد موجودة.
ذلك أن التجربة الإنسانية لا تُخزَّن في ملفات منفصلة؛ فقد يستدعي ألمٌ حاضر ما ظننا أننا تجاوزناه. ومع الوقت قد يصير الحزن مألوفًا إلى درجة أننا نكاد نتعرف إلى أنفسنا من خلاله: نتوقع الخذلان، ونستعد للغياب قبل حدوثه، ونجد صعوبة في الاطمئنان حتى في اللحظات الآمنة. ولا يقف أثره عند القلب، بل يمتد إلى النوم والتركيز والطاقة، وإلى قدرتنا على الاستمتاع بما كان يمنحنا البهجة.
لذلك لا يبدأ التعامل مع الحزن العميق بإسكات صوته، ولا بمطالبة أنفسنا بأن نكون أكثر قوة أو إيجابية، بل بالاقتراب منه وفهمه؛ أن نسمّي ما نشعر به كما هو، دون تهوين أو تجميل، وأن نسأل أنفسنا: ما الذي يؤلمني تحديدًا؟ هل أفتقد شخصًا رحل، أم الحياة التي كانت تجمعني به؟ هل يؤلمني ما حدث الآن، أم أنه أعاد فتح أبواب قديمة لم أكن مستعدًا للعودة إليها؟
ومن الفهم يولد الاحتواء. والاحتواء لا يعني الاستسلام للحزن، ولا إجبار النفس على التماسك قبل أن تكون مستعدة، بل منح المشاعر مساحة آمنة للظهور، مع الحفاظ على ما نستطيع من إيقاع الحياة اليومية: حديث مع شخص موثوق، أو كتابة، أو بكاء، أو عودة تدريجية إلى ما يمنحنا الاستقرار، ومساندة متخصصة حين يشتد الحزن أو يطول أو يثقل الحياة.
فالتعافي ليس سباقًا، ولا مسارًا مستقيمًا، ولا وعدًا بأننا لن نحزن مرة أخرى. وقد لا نحتاج إلى أن ننتصر على كل أحزاننا دفعة واحدة؛ يكفي أن نفهم حزنًا واحدًا، ونمنح أنفسنا فرصة للتعامل معه برحمة ووعي.
وربما يكون أكثر ما تمنحنا إياه هذه الصورة الشعرية أن قِدَم الحزن لا يعني أنه قدر لا يتغير، وأن عمقه لا يعني أننا محكومون بالبقاء داخله. قد يحمل القلب تاريخًا طويلًا من الألم، لكنه ليس مطالبًا بأن يجعل من ذلك التاريخ مستقبله الوحيد. ليس المطلوب أن نمحو النقوش التي تركتها الحياة فينا، بل أن نتعلم كيف نعيش دون أن تتحول إلى حدود تحجب عنا ما لا يزال ممكنًا.
فالحزن العميق يريد أن يُفهَم، وأن يُرى دون استعجال، وأن يُحمَل دون إنكار. وحين نكفّ عن محاربته ونبدأ في الإصغاء إليه، يخفّ وزنه في القلب؛ لا لأن الألم اختفى، بل لأن الروح اتّسعت له.
شارِك الحكاية
بَراح | الأغاني تبوح